ruba

حتمية الصراع في غياب الأمة الوسط

قلم : د. يحيى نعيم – يقظة فكر

يقول ابن خلدون في مقدمته بأن (الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافهم إياهم ), وقد كان من المفترض أن يقوم هذا الاجتماع علي تعاون وتكامل وتكافل البشرية جمعاء لتحقيق هذا المراد الإلهي, وخلق حياة حافلة بالعطاء المتبادل, ومصانة بالقيم والأخلاق الفاضلة. غير أن واقعنا المعاش يثبت عكس ذلك تماماً, ويعج بصور مفزعة ومؤلمة من الصراعات بين بني الإنسان, من اعتداء علي الممتلكات وسلب للحقوق, ومن ظلم للضعفاء وانتهاك للحرمات, ومن خيانة للعهود وتضييع للأمانات, وغير ذلك مما يوجع الفؤاد ويدميه.

لاشك أن التدافع بين البشر سنة كونية, نظراً لما يقوم عليه اجتماعهم من تنوع واختلاف في الغايات والدوافع, وآليات التدافع وقواعده الحاكمة, في ظل نُدرة نسبية في الموارد, أو ما قد يُميز به الخالق لحكمة بالغة البعض دون الآخر، كل ذلك جعل الصراع بين البشر حتمي, وحقيقة لا يمكن تغافلها أو القفز فوقها. ولكن من المؤكد أيضاً أن الخالق العظيم لم يخلق الحياة عبثاً, لتفنى الخليقة جراء هذه الصراعات, ولا يُرضيه جل علاه أن ينتصر الباطل علي الحق في معركة التدافع الأزلية..

لذا قضت العدالة الإلهية بوضع قواعد حاكمة وحدوداً صارمة لضبط هذا الصراع البشري, والمحافظة عليه تدافعاً محموداً يحقق الاستخلاف والعمران, وكذا بيّنت و أرشدت أهل الحق لعوامل البناء والنصر في صراعهم مع الباطل والفساد, وكان ذلك هو دور الأنبياء والرسل.. فكلما طغت البشرية وتجاوزت المدى, ومادت السفينة بمن فيها, بعث الله من عباده الصالحين من ينبّه ويقوّم ويعيد للحياة توازنها, ليس هذا فحسب بل ويؤّهل في قومه أمّة من البشر, ليكونوا تجسيداً للتعاليم الربانية, ونبراساً للهداية, ودعاة للحق والعدالة.. وليحملوا من بعده الرسالة, ويحرسوا القافلة الإنسانية من الانتكاس والارتكاس عن درب الهداية…

فإذا ما دار الزمان دورته, وعلا الباطل لضعف أو تخاذل من حراس السفينة, جاء نبي آخر لُيبين للناس ويردهم لطريق الحق والرشاد. إلي أن شاءت الإرادة الإلهية بانقطاع حلقة الوصل بين السماء والأرض, وختم الرسالات, فبعثت رسولاً هادياً رحمة للعالمين, وحمّلت أتباعه رسالة السماء للأرض إلي قيام الساعة, فجعلت منهم خير أمة أخرجت للناس, وكلّفتهم أن يقودوا الركب الإنساني ويحفظوا للحياة توازنها وفضيلتها…

وهنا أضع القلم لأقتبس من كلمات الشهيد سيد قطب في الظلال ما يوضح لنا دور هذه الأمة المُناط بها تأديته بين الأمم في تفسيره لقوله تعالي: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).. إذ يقول:

“إنّ التعبير بكلمة “أُخْرِجَتْ” المبني لغير الفاعل , تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة , تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب. . إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى , لطيفة الدبيب . حركة تخرج على مسرح الوجود أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص , ولها حساب خاص.

(كنتم خير أمة أخرجت للناس). .

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها , وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة , ولتكون لها القيادة , بما أنها هي خير أمة. والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها , وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما , وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته , فهو لا يؤخذ ادعاء , ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي , وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي , وبعمارتها للأرض – قياما بحق الخلافة – أهلا له كذلك . ومن هذا يتبين أنّ المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمّة يطالبها بالشيء الكثير; ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به , وتدرك مقتضياته وتكاليفه.

وفي أول مقتضيات هذا المكان, أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد . . وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أُخرجت للناس . لا عن مجاملة أو محاباة , ولا عن مصادفة أو جزاف – تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا – وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: (نحن أبناء الله وأحباؤه). . كلا ! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر , وإقامتها على المعروف , مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر:

(تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). .

فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة , بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب , وبكل ما في طريقها من أشواك . . إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد . . وكل هذا متعب شاق , ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ; ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة . .

ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم , والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر . فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي . فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل . ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر , وللفضيلة والرذيلة , وللمعروف والمنكر . يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال”. انتهت درره رحمه الله

من هذا يتضح ما خسره العالم من تقاعس الأمة الوسط عن حمل رسالتها وأداء واجبها المناط بها, فما نراه من غياب لقيم العدل والمساواة بين الأمم وبداخل المجتمع الواحد, ما نشاهده من صراعات كارثية بين البشر, تُضيّع فيها الحقوق, وتُسلب الحريات, وتُزهق أرواح الأبرياء والضعفاء, وما نراه من تمادي في الطغيان والظلم والتجبر في الأرض بغير حق..كل هذا ليس لقوة في الباطل وضعف في الحق, حاشا لله..بل هو بالأساس لضعف في حَمَلة الحق وأنصاره, ولتقاعسهم عن البذل والعطاء لرسالتهم, وتغافلهم عن حقيقة دورهم, وركونهم للحياة الزائفة وحرصهم عليها, ولتنكبهم الصراط المستقيم, ومصادماتهم لسنن الحياة وأسباب التمكين...كأنهم يريدون الريادة والسيادة هبةً واعتباطاً.. وما كان للعدل الإلهي أن يسمح بذلك أبداً..

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي -رحمه الله-: (لم يكن انحطاط المسلمين وزوال دولتهم وركود ريحهم -وهم حملة الرسالة, وهم للعالم البشري كالعافية للجسم الإنساني- انحطاط شعب أو عنصر أو قومية, فما أهون خطبه, وما أخف وقعه, ولكنه انحطاط رسالة هي للمجتمع البشري كالروح, وانهيار دعامة قام عليها نظام الدين والدنيا…)

ونحن اليوم إذ نشكو ونئن لعلو الباطل وغياب العدالة وقيم الفضيلة, فإننا مُكلّفون كجيل, شباباً وشيوخاً, رجالاً ونساءً أن نسعى لإيقاظ الأمة من سباتها العميق, لتنهض وتستعيد ريادتها بين الأمم, وتحول دون أهدار الحقوق وتفشّي المظالم والصراعات المُهلكة للحرث والنسل بين البشر, بما يحفظ للحياة توازنها وفضيلتها..ويحقق للأمة دورها ورسالتها.

ويبقى هذا التكليف فرض عين علينا جميعاً, كلٌ بما يُسّر له لا يُسقطه إلا بلوغ الغاية, وتحقيق المُراد وأداء الأمانة التي استودعنا الخالق إياها, وأيما فرد تخاذل أو أدعى انتفاء القدرة علي الدعم والنصرة والعمل لإنجاح مساعي النهضة والإصلاح فهو آثم في تصوري, فما من أحد إلا وقادر علي النفع, ومسارات العمل المتنوعة تستوعب كل الطاقات, ومن يصدق الله يصدقه.


Add a Comment أضف تعليق

You need to be a member of Sister Power to add comments!

Join Sister Power

© 2010   Created by Lana Abu Ayyash.

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Sign in to chat!