بينما تقدم النهضة غالبا بالتركيز على تطبيقاتها ونتائجها وإن ذلك يؤدي إلى التغطية على جوهرها، على كونها “عملية ثقافية” في الأساس..
تركز النهضة على “البعد” الثقافي في عملية تغيير اجتماعي واسع، يكون هذا البعد هو بمثابة الزناد الذي يطلق عملية التغيير هذه و يمهد لها، وأنا هنا لا أقصد بالثقافة حديث المتثاقفين وثرثرتهم التي يتعمدون إغراقها بالتعقيد والغموض لكي تبدو “عميقة ومهمة”، بل أقصد البنية التحتية للأفكار التي يعتنقها الناس العاديون وتشكل رؤيتهم ومواقفهم، الثقافة التي أقصدها هي “العدة” التي يزود بها كل فرد في مجتمع ما دون أن يدرك ذلك، أنها العدة التي تغرس في كل فرد بمجرد نشأته في مجتمع ما، عبر ما يلقنه إياه المجتمع : في مجموعة المبادئ والقيم التي تميز الانتماء لهذا المجتمع، في ما يعدونه بدهيات لا تحتاج إلى نقاش، في “الحس العام” الذي يمثل خلاصة معارف وتجارب شعب أو أمة ما، تنتقل إلى كل فرد من أفرادها.. قد يتمثل ذلك في عادات وتقاليد وأعراف تشكل نبض هذا المجتمع وتوجهه العام، و قد يتمثل أحيانا في “الأمثال الشعبية” أو “النكت والطرائف” التي يتداولها الناس والتي تشكل جزءا أساسيا من طبيعة حكمهم على الأشياء ومواقفهم منها..
الثقافة التي أعنيها هي هذه “البنية التحتية” التي تحرك الناس العاديين وتشكل دوافعهم وأفعالهم وردود أفعالهم، وتمثل أيضا ما يثبطهم ويكبحهم ويجعلهم في حالات أخرى “حياديين” تجاه ما لا يحتمل الحياد أحيانا..
الثقافة التي أعنيها والتي تخص النهضة هي “الدوافع” كما “المثبطات”، هي “الحوافز” كما “الكوابح”.. إنها تشمل كل تلك العناصر التي تتحكم بسلوكنا وأفكارنا وبعقلنا الجمعي دون أن نعيها بالضبط، ربما لأننا صرنا جزءا منها وصارت جزءا منا بطريقة يصعب علينا رصدها وفهمها، لكنها تجري منا مجرى الدم..
النهضة هي مشروع ثقافي بهذا المعنى، بل إنها ليست مشروعا ثقافيا فحسب، بل هي “ثورة ثقافية” أيضا..
مالفرق بين الاثنين؟
الفرق أن النهضة كمشروع ثقافي تستوجب “الاستثمار” في ما هو موجود فعلا من إيجابيات في الموروث الثقافي بالعمل على تكريسها وتأصيلها وبيان نفعها وفائدتها في الحياة العملية وتحقيق أهداف الأمة والمجتمع..
أما النهضة بصفتها ثورة ثقافية فهي تضم ذلك بطبيعة الحال لكنها تتضمن أيضا مواجهة ما هو سلبي في ذلك الموروث واجتثاثه من جذوره، والتأكيد على أضراره وضرورة إحداث قطيعة معه لكونها تتعارض مع أهداف هذه الأمة أولا، ولأنه أصلا لم يكن جزءا أصيلا منها..
ولا مفر هنا من ذكر أمثلة على الموروث السلبي الذي لا مفر من مواجهته إذا كنا جادين حقا في النهضة، شخصيا أؤمن بأن كل ما يلعب دورا سلبيا في موروثنا
جاء من أحد الطرق التالية :
أولاً -فهم خاطئ مجتزأ لنص صحيح وثابت، وهذا الفهم البشري نتج عن مرحلة تاريخية لها ظروفها الخاصة وقد حتمت هذا الفهم لسبب أو لآخر، وربما لم تظهر الآثار السلبية له إلا على المدى البعيد المتراكم ..أي بعد استقرار هذا الفهم وتحوله إلى جزء من العقل الجمعي وتحصنه بكونه قديم.. من الأمثلة على هذا الفهم السلبي الخاطئ للقضاء والقدر الذي أنتج عقيدة التواكل والاستسلام بدلا من عقيدة العمل والمواجهة والإيمان بأن الجيل الأول لو آمن بهذا الفهم السلبي لما تغير التاريخ، كذلك تعرضت آيات “طاعة أولي الأمر” إلى فهم جزئي عزلها عن باقي النصوص وحولها من وسيلة للانضباط إلى أداة للرضوخ إلى الاستبداد..
ثانيا- فهم ناتج عن كوم هائل من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي حولت بعض الأقوال المأثورة أو الآراء الشخصية لواضعيها إلى نص مقدس يلعب دورا في تكوين العقل الجمعي للأمة مهما كانت فحوى هذا النص الضعيف أو الموضوع بعيدة عن شبكة المعاني التي ينتجها تكامل النصوص الصحيحة وتضافرها.. هذه النصوص الضعيفة أو الموضوعة وما تنتجه من مفاهيم يجب أن تجتث بلا تردد حتى لو لم يكن تأثيرها السلبي مؤكدا أو ظاهرا، ولكن مجرد احتمائها بسلطة النص الديني وخلطها ما هوبشري وعابر بما هو مقدس، يجعل اجتثاثها أمرا ضروريا.. خاصة أن الإبقاء على نص ضعيف و”مسالم”، يبرر الإبقاء على أي نص ضعيف آخر من الناحية العلمية المجردة.
ثالثا – هناك بعض الأمور الغيبية التي مر ذكرها في القرآن والسنة الصحيحة، في مساحة صغيرة للغاية، لكن هذه المساحة بولغ فيها في الموروث السائد وتحولت إلى وسيلة للهرب من مواجهة علاقة الأسباب بالنتائج التي ركز عليها القرآن الكريم.. مثال ذلك الآيات التي مر ذكر السحر والحسد والجن فيها على نحو لا علاقة له بالاستخدام اللاحق في الموروث الذي وصلنا، حيث تحولت هذه الآيات وما تراكم عليها من أفهام بشرية ونصوص ضعيفة إلى وسيلة للتهرب من مواجهة الأسباب والحقائق: سيسهل عليك أن تؤمن بأن فشل ابنك أو عقوقه لم يكن نتيجة لأخطاء ارتكبتها في تربيته، بل نتيجة “حسد” أو “جن” تربص به أو سحر دبره حاقد…
رابعا- هناك ما هو دخيل حتما ولا ينتمي لشيء حقا في الإسلام بل تسلل من أمم أخرى ذات ديانات وتجارب حضارية مختلفة، بعض الداخلين الجدد في الإسلام قاموا بعملية “أسلمة” سطحية لموروثهم الديني وحملوه معهم إلى أفهام المسلمين، وبالتدريج صار جزءا من موروث سلبي يخدر الأمة ويعطل تواصلها مع مصادرها الأصيلة. إلى هذه الخانة ينتمي كوم هائل من الشعائر البدعية التي لا أساس لها والتي أغرقت المسلمين في شبه رهبانية مزيفة، فصلتهم عن واقعهم ومواجهته بدواعي الروحانية والنورانية ..إلخ، وإلى هذه الخانة أيضا تنتمي عقائد من نوع “وحدة الوجود” و”التوسل بالأموات” التي تناقض كل ما جاء به الإسلام..
لا يمكن أن ننكر وجود كل هذا في الموروث التراكمي الذي وصلنا، كما لا يمكننا أن ننكر أو نغض البصر عن الدور السلبي لهذه المكونات لأنها لن تغض البصر عنا حتى لو فعلنا نحن ذلك، ستظل تمارس دورها التخريبي وتعطل كل قيمة إيجابية قابلة للاستثمار في النهضة..
لا يمكن ببساطة أن تعول على أي تغيير يمكن أن يحدث في الجيل الطالع عندما تجعله يؤمن أنه الخليفة في الأرض، لكنك تركت في الوقت نفسه أفكارا أخرى تسرح وتمرح وتزين له الركون والسلبية تحت مسميات القضاء والقدر والصبر وانتظار من لن ياتي أبدا ما دامت الأوضاع هكذا..
لكن هذه “الثورة الثقافية” لن تكون من أجل تكريس ما هو إيجابي وأصيل في الموروث واستئصال ما هو دخيل وسلبي فحسب، بل هي أيضا ثورة ثقافية ضد كل عنصر استلاب معاصر يتسلل بفعل فقدان المناعة (الناتجة عن فقدان الإنجاز المعاصر) ويسرب قيما أخري دخيلة تناقض كل ما جاء به الاسلام..
لا فائدة حقا من غربلة الموروث وتنقيته إذا لم نحافظ على الأسوار، على الهوية التي تحفظ ناتج هذه التنقية .. وإلا ما كان هناك أصلا معنى في الثورة ككل في النهضة ككل، مشروعا وثورة..
لا ريب أن كل تلك العناصر السلبية ستجد حتما من يدافع عنها بل ويستقتل في الدفاع عنها، لن يكون هذا الدفاع من رجال الدين التقليديين بالضرورة فحسب، بل سيكون أيضا من بعض أدعياء التجديد والتنوير الذين توفر لهم بعض هذه العناصر أرضا واسعة للعب والمناورة فيها، وما همهم طبعا أمر النهضة أو سواها، فالنهضة الوحيدة التي يعرفون هي النهضة الأوروبية والتي يريدون قص ولصق نتائجها قسرا وخديعة وبكل الوسائل..
لن تكون النهضة يسيرة قط بهذا المعنى، لقد تعايشنا مع بعض ما يجب استئصاله لقرون، ولن يكون يسيرا قط نزعه لأنه صار للبعض كما لو أنه جزء منهم، لكن العضو الذي يأكله السرطان لا مفر من بتره، مهما كان ذلك مؤلما…
إذا كنا جادين حقا، فعلينا أن ندرك أن ثمن النهضة باهظ..، وأنها لن تجلب بمؤتمرات وندوات تقام في فنادق خمس نجوم، بل بفكر يمهد لثورة من نوع خاص، ثورة لا علاقة لها بالانقلابات العسكرية، ولا ببيان رقم واحد سيئ الصيت( في بعض التجارب على الأقل!)، بل بفكر ينتشر بالتدريج، ويغير بالتدريج، ويسكن عقول الناس الحقيقيين بالتدريج، يلتحم بهم، وبهمومهم.. وعندما تحين اللحظة، لا تعود النهضة خيارا، لا تعود وجهة نظر، بل تصير حتما.. يصير البديل الوحيد هو الانقراض..
تكلفة المؤتمرات في فنادق الخمس نجوم باهظة حتما، لكن ثمن النهضة باهظ أكثر بكثير…
الفرق أن الأولى تذهب بلا أثر ولا جدوى..
أما الثانية فلا..!
Tags:
Add a Comment أضف تعليق
Welcome to
Sister Power
© 2010 Created by Lana Abu Ayyash.
You need to be a member of Sister Power to add comments!
Join Sister Power